القاضي عبد الجبار الهمذاني
268
المغني في أبواب التوحيد والعدل
إلى المعارضة ، فالمعنى واحد ، واللفظ مختلف ؛ وقد علمنا أن دواعيهم قويت إلى إبطال أمره لدلائل ظهرت ، لا تجوز الشبهة فيها ، وهي بذلهم المهج ، والنفوس ، والأموال في ذلك ، ومفارقتهم الأوطان والعشيرة فيه ، وتعرّضهم للخطر ، وتعريضهم المال للتلف ؛ فكل ذلك وأشباهه منهم يدل على أنهم عدلوا عن المعارضة للتعذر ؛ لأنها لو كانت ممكنة لكانت تسهل ، ولا يحصل فيها من المضار ما ذكرناه ، ولا يقع بها من الخوف والخطر ما وصفناه ؛ فكان لا يجوز أن يعدلوا عن المعارضة إلى هذه الأمور . . يبين صحة ما ذكرناه : أن القوم أجمعين انقسموا إلى أمور ثلاثة : فمنهم : من انقاد واستجاب . ومنهم : من بذل مجهوده في المحاربة والمعاداة ، فكان مباشرا لذلك ، أو مجيبا « 1 » له وتابعا . ومنهم : من عدل إلى أمور لا تنفع ، مما يظن أنه كالحجة ؛ نحو ما روى عن « النضر بن الحارث » : من تحمل المشقة بقصد « فارس » ، يحمل كتب « الفرس » ، ليعارض بها القرآن ؛ ويموّه بذلك على الضعفاء ؛ لأنه كان يعلم أنه ، صلى اللّه عليه ، لم يتحدّهم بما يجوز في أخبار « رستم » وغيره ، أن يكون معارضة له ، ومؤثرا فيه ؛ وإنما كان قصده التمويه ؛ وذلك نحو ما ذكره اللّه تعالى عن « فرعون » ، عند اعتراف السحرة ، لما ظهر من « 2 » قلب العصا حية ، بقوله إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ ؛ ومعلوم أنه لم يخف ذلك عليه ، لكنه أراد التمويه على الضعفاء ، لئلا تبطل رئاسته ؛ وثبت عن « الوليد بن المغيرة » ، مع تقدّمه في العلم بالفصاحة والرئاسة ، عند اجتماع قريش إليه ، يطلبون منه وجه الحيلة ، في دفع حال النبىّ ، صلى اللّه عليه ،
--> ( 1 ) في « ص » محبا . ( 2 ) ساقطة من « ص » .